السيد علي الحسيني الميلاني

53

نفحات الأزهار

هذا جواب عن سؤال وهو : إن قائلا لو قال : هب أن الأدعياء ليسوا بأبناء كما قلت لكن من سماه غيره ابنا إذا كان لدعيه شئ حسن لا يليق بمروته أن يأخذه منه ويطعن فيه عرفا . فقال الله تعالى : * ( النبي أولى بالمؤمنين ) * جوابا عن ذلك السؤال وتقريره هو : إن دفع الحاجات على مراتب : دفع حاجة الأجانب ، ثم دفع حاجة الأقارب الذين على حواشي النساء ، ثم دفع حاجة الأصول والفصول ، ثم دفع حاجة النفس . والأول عرفا دون الثاني وكذلك شرعا ، فإن العاقلة تتحمل الدية منهم ولا تتحملها عن الأجانب ، والثاني دون الثالث وهو ظاهر بدليل النفقة ، والثالث دون الرابع فإن النفس مقدم على الغير وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : إبدأ بنفسك ثم بمن تعول . إذا علمت هذا فالانسان إذا كان معه ما يغطي به أحد الرجلين ويدفع به حاجة من شقي بدنه فأخذ العطاء من أحدهما وغطى به الأخرى لا يكون لأحد أن يقول : لم فعلت ؟ فضلا من أن يقول بئس ما فعلت . اللهم إلا أن يكون أحد العضوين أشرف من الآخر ، مثل ما إذا وقى الانسان عينه بيده ويدفع البرد عن رأسه الذي هو معدن حواسه ويترك رجله تبرد ، فإنه الواجب عقلا . فمن يعكس الأمر يقال له : لم فعلت ؟ وإذا تبين هذا فالنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فلو دفع المؤمن حاجة نفسه دون حاجة نبيه يكون مثله من يدهن شعره ، ويكشف رأسه في برد مفرط قاصدا به تربية شعره ولا يعلم أنه يؤذي به رأسه الذي لا نبات لشعره إلا منه . فكذلك دفع حاجة النفس لفراغها إلى عبادة الله ولا علم بكيفية العبادة إلا من الرسول ، لو دفع الانسان حاجة لا للعبادة فهو ليس دفعا للحاجة ، إذ هو فوق تحصيل المصلحة ، وهذا ليس فيه مصلحة فضلا من أن يكون حاجة ، وإن كان للعبادة فترك النبي الذي منه يتعلم كيفية العبادة في الحاجة ودفع الحاجة ، مثل تربية الشعر مع إهمال أمر الرأس . فبين أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد